Thursday, 17 May 2012

عن تجربتي و تصويت المصريين بالخارج.. اكتب


في مثل هذه الأيام قبل سنتين تقريبا  كتبت هنا في المدونة موضوعا غريبا بعض الشيء.
كتبت موضوعا عن مشاعري كلما شاهدت مواطنا أوروبيا او أمريكيا..

كتبت موضوعا عن (حسدي) لمواطني دول العالم الأول ممن عرفوا الديمقراطية و مارسوها منذ عقود بينما نحن هنا في مصر لا تزال الديمقراطية بالنسبة لأغلب افراد الشعب المصري حتى المتعلمين منهم اختراعا غربيا لم يأذن الله لنا ان نجربه بعد!!
كنت كلما شاهدت مواطنا غربيا اجدني اقارن بين وضعه في يلده كصانع للقرار يخطب الساسة وده من اجل ان يختارهم لخدمة بلده بينما نحن في مصر لا قيمة لنا كمواطنين اطلاقا و لا نملك اختيار من يحكمنا او حتى يمثلنا نيابيا!
لم يكن لدي في تلك الأيام اي بصيص من الأمل في ان المستقبل القريب سيحمل لهذا الشعب هدية من السماء تتجسد في ثورة شعبية عظيمة تعيد للإنسان المصري كرامته و قيمته في الحياة و تثبت لكل جبار في الأرض توهم انه هو السيد و ان الشعب هم الخدم انه لا يصح الا الصحيح و ان الأصل في الحاكم ان يكون خادما للشعب و ليس سيده.
كانت انتخابات البرلمان اول اختبار حقيقي للديمقراطية كما يمارسها العالم اجمع.. الديمقراطية الحقيقية و ليست تلك الديمقراطية التي حاول النظام السابق ان يسوقها الينا بإعتبار ان تلك الديمقراطية العرجاء هي التي تناسبنا و اننا كشعب لا تناسبنا الديمقراطية التي يمارسها العالم اجمع..!!
بالطبع حدثت و تحدث يوميا الكثير من التجاوزات من قبل ناس لم يخبروا الديمقراطية جيدا و لكن دعونا لا نقسو على انفسنا و ننعت انفسنا بما ليس فينا من اننا كشعب لا نصلح للديمقراطية او هي لا تصلح معنا..!!
نحن لم نزل في سنة اولى ديمقراطية و لابد ان تتعثر خطانا في تلك التجربة الجديدة علينا تعثر طفل صغيرا لايزال يتحسس خطاه او تعثر شخص يتعلم قيادة السيارات لأول مرة..
لابد ان نتعثر و نتعثر لكي نتعلم و نضع اقدامنا على الطريق الصحيح.
التجربة التي عشتها اليوم في انتخابات المصريين بالخارج اثبتت اننا بالفعل نسير على الطريق الصحيح ديمقراطيا و ان هذا الشعب لم يكن يستحق ابدا ما فعله فيه تلك الأنظمة العسكرية القمعية التي حكمتنا منذ عام ١٩٥٢ و حرمته من ممارسة الديمقراطية و ما تبع غياب الديمقراطية من انتشار السرقة و الفساد و المحسوبية و الطغيان و غياب اهل الخبرة و طغيان اهل الثقة و تقهقر مصر علميا و سياسيا و اقتصاديا و ثقافيا..الخ
ما شاهدته اليوم و لمسته من وعي المصريين الرائع و كأنهم ماسوا العملية الإنتخابية مرارا و تكرارا رغم حداثة عهد اغلب افراد الشعب المصري بالعملية الإنتخابية يثبت ان هذا الشعب يستحق بالفعل ان يكون في مكانة و ظروف معيشية افضل بكثير مما هو فيها حاليا.
بدأت انتخابات المصريين بالخارج يوم الجمعة الماضية لمدة اسبوع ينتهي مساء الخميس ١٧ مايو الساعة الثامنة مساء.
و على غير عادتي قررت ان اتأنى في الإدلاء بصوتي و عدم الإسراع بالإنتخاب لسببين رئيسيين
اولهما الهروب من الزحام الشديد الذي ربما يصاحب عملية التصويت في اول ايامها كعادة المصريين الذين يقبلون على التجربة الجديدة في بداياتها ثم يفتر الحماس و الإقبال تدريجيا فيكون الزحام قد اختفى تقريبا بنهاية اسبوع الإنتخابات..!!
ثانيهما انني كنت بالفعل لم احسم اختياري بصفة نهائية و كنت لا ازال محتارا بين اختيار الدكتور عبد المنعم ابو الفتوح او السيد حمدين صباحي، فقررت ان اعطي لنفسي فسحة اكثر من الوقت لعل يجد جديدا ما يجعلني احسم الإختيار لواحد منهما..!!
و لكن يبدو ان تكتيك المصريين في تعاملهم مع التجارب الجديدة قد تغير كليا..
اذ ان كلما مر يوم من ايام الأسبوع الإنتخابي كلما زاد ابعد و زاد الزحام وليس العكس..!!
حتى فوجئت ان اليوم الأربعاء و لم ادل بصوتي.. فلابد اذا من الإسراع بالتوجه للقنصلية في جدة مهما كانت درجة الزحام او الإقبال فالإسبوع قد اوشك على نهايته و لابد من الإدلاء بصوتي اليوم..!!
و مهما كانت درجة الزحام..فإنتظار ساعة او ساعتين ليست بالأزمة في سبيل تحقيق حلم المشاركة في صناعة مستقبل هذا البلد و الإحساس بشعور انك مواطن محترم تشارك في صناعة مستقبل بلدك.
و لكني لم يصل بي درجة الشطط في التخيل انني سأقضي ٥ ساعات كاملة في الطابور من اجل الإدلاء بصوتي..!!
خمس ساعات كاملة في طابور طويل يبدأ من خارج بوابة القنصلية و يستمر داخل البهو الرئيسي للقنصلية بشكل حلزوني ينتهي بالقاعة المخصصة لإدلاء الناخبين بأصواتهم.
خمس ساعات بدأت في الحادية عشر صباحا و انتهت في الرابعة عصرا داخل القنصلية المصرية بحدة في اجواء اقل ما يطلق عليها انها شديدة الحرارة الا ايضا انها كانت شديدة الثراء انسانيا و وطنيا بشكل رائع.
الاف من المصريين تجمعوا في بهو السفارة في طوابير طويلة وسط جو خانق.. الاف المصريين بإتجاهاتهم و اختلافاتهم السياسية و الثقافية و الفكرية و ايضا الدينية..!!
حوارات غاية في الرقي و الثراء بين مواطنين جمعتهم الغربة و لم تفرقهم اختلافاتهم السياسية و تعدد اختياراتهم و اتجاهاتهم التصويتية.
لم تحدث مشادة واحدة او محاولة للإخلال بالنظام او مخالفة نظام الطابور او الإنقضاض على الدور..!!
-اكثر ما اسعدني خلال ال ٥ ساعات الرهيبة تلك ان المصريين قد بدأوا بالفعل يستوعبون ثقافة (الطابور) و ان الكثير بدأ يقتنع بالفعل ان الوقوف في الطابور و احترام الدور هي ثقافة في حد ذاتها كانت تنقصنا و ان بداية اقتناع المصريين بثقافة الطابور هو في حد ذاته مظهر حضاري لافت و احد انجازات الثورة التي لا يمكن اغفالها..!!
الا ان الأمر لم يخلو كالعادة من (الفهلوة) التي هي عادة مصرية اصيلة..!!
بعض المواطنين استغلوا اصطحابهم لزوجاتهم للإدلاء بأصواتهن في استخدامهن كدروع بشرية من اجل ان يتخطوا الطابور المخصص للرجال و يقوموا بالتصويت مع زوجاتهن بدون الوقوف في الطابور الرهيب..!!
كانت تفلح تلك المحاولات في احيان كثيرة و تفشل ايضا في احيان اكثر.. و كل هذا كان يتم فعلا في جو ودي بدون اية مشكلات او مشادات.
-اداء القنصلية المصرية كان مشرفا للغاية..
امكانات السفارة مسخرة كليا من اجل اتمام العملية الانتخابية على النحو الأكمل بأقل قدر ممكن من السلبيات.
تعامل موظفي السفارة مع جمهور الناخبين غاية في الرقي و التحضر رغم العدد الكبير و الضغط و الزحام الخانق و حرارة الجو الا ان اداء موظفي السفارة بالفعل اكثر من ممتاز.
منتهى الرقي و الإحترام و الحرص على ضبط النفس و عدم انفلات الأعصاب..اداء رائع بالفعل.
- رغم قلة عدد موظفي السفارة الا انهم صامدون بالفعل امام ذلك الضغط الرهيب.. لا يبخلوا ابدا بإرشاد الناخبين بالتعليمات و قواعد التصويت ..يتحملون عن طيب خاطر الإختلاف الثقافي بين الاف الناخبين و يعاملون الجميع على قدم المساواة لا فرق بين مواطن يرتدي بدلة و مواطن يرتدي الجلباب..الجميع مواطنون مصريون اتوا من اجل اداء واجبهم تجاه بلدهم و لابد من احترامهم جميعا و تكريمهم بالشكل اللائق بهم.
-ابهرني ايضا حرص السفارة على استمرار خدماتها الأخرى بمنأى عن الإنتخابات الرئاسية.. و هو ما ادهشني بالفعل..
فالسفارة لم توقف خلال اسبوع الإنتخابات خدماتها من تأشيرات و تصديقات و لم تغلق ابوابها امام الجمهور بحجة ان جميع الإمكانات مسخرة لخدمة العملية الإنتخابية-و لم يكن يلومهم احد لو فعلوا ذلك- بل استمروا في تقديم الخدمة للمتعاملين مع السفارة من جميع الجنسيات في خط مواز للإنتخابات الرئاسية.
-تعب الوقوف في الطابور خمس ساعات كاملة زال تماما فور الوصول للصندوق و كأنك قد تحملت كل هذه المعاناة و الشقاء من اجل الإحساس بتلك اللذة..
لذة ان تشعر انك شاركت في اول انتخابات رئاسية حقيقية في مصر..لذة كون صوتك مؤثر و له قيمة ..لذة ان تشعر انك مواطن محترم في دولة محترمة يخطب الجميع ودك من اجل الفوز بصوتك القيم.
-لم تغفل القنصلية ايضا اهمية التصويت بالبريد للحد من ذلك الزحام الرهيب.. فكان احد المسئولين بالسفارة ينوه من حين لأخر بأن التصويت بالبريد متاح بالفعل و ربما كان بديلا جيدا لمن لا يستطيع تحمل ذلك الزحام او تململ من الوقوف في الطابور مع درجة الحرارة و الظروف الصعبة التي صاحبت عملية التصويت.
-فاجأني ايضا قيام القنصلية بإجراء اتفاق مع بعض شركات نقل البريد الشهيرة لعمل عروض خاصة للناخبين المصريين لإرسال تصويتهم عبر البريد الى السفارة بأسعار خاصة جدا في محاولة للحد من الحضور شخصيا الى مقر السفارة في محاولة للتقليل من حدة الزحام و تقليل الطوابير و التيسير على الناخبين.
و لا ادري هل هذا الأداء الرائع للقنصلية المصرية بجدة له علاقة مباشرة بتغيير السفير المصري بالسعودية قبل حوالي اسبوع ام انها سياسة جديدة للخارجية المصرية تحاول فيها محو أثار الماضي المؤلم للدبلوماسية المصرية في تعاملها مع مواطنيها و بداية عهد جديد لسياسة دبلوماسية جديدة تحاكي فيها الخارجية المصرية النماذج المحترمة للدول المحترمة في تعاملها مع مواطنيها المغتربين.
-يبدو ان "التصويت الإلكتروني" اصبح لا مفر منه تيسيرا على كثير من المواطنين ممن لن تسعقهم ظروفهم او وقتهم  للذهاب الى مقار التصويت للإدلاء بالصوت في ظل حالة الزحام هذه.
نحن شعب كبير العدد يقترب من المائة مليون نسمة...مختلف الثقافات و الطبقات..
و اذا كان التصويت الإلكتروني قد لا يكون مناسبا لأغلب طبقات الشعب الا ان ذلك لا ينفي كون وجوده هاما ايضا و يوفر الكثير من الوقت و الجهد على شريحة من المواطنين و خاصة الشباب ممن يجيدون استخدام الكومبيوتر و الإنترنت  .
- خمس ساعات كاملة من الوقوف في الطابور جعلت الكثيرين يقومون بإستطلاعات رأي لمعرفة التوجهات التصويتية للواقفين في هذا الطابور العملاق و كانت معظم الإتجاهات تصب في مصلحة المرشحين الإسلاميين أبو الفتوح ثم محمد مرسي يليهما حمدين صباحي.
اما مرشحو الفلول فيبدو انهما لم يحصلا على نسبة كبيرة من تصويت المصريين بالخارج و هو في حد ذاته مؤشر جيد.
- الزحام الرهيب الذي شهدته القنصلية المصرية العامة بجدة نظرا للإقبال الرهيب من المصريين بالخارج على التصويت بالإنتخابات البرلمانية ينبىء ان غالبية اللجان العامة داخل مصر ستشهد اقبالا تاريخيا  منقطع النظير لم تشهده اية انتخابات مصرية من قبل..
و أخشى ان يكون يومان فقط هي مدة غير كافية اطلاقا للتصويت للمصريين بالداخل مع الإقبال الشعبي المتوقع.

 مما لاشك فيه ان تجربة التصويت في اول انتخابات رئاسية كانت ممتعة للغاية على الرغم انني قد خرجت منها منهك القوى تماما على المستوى البدني الا ان المعنويات قد وصلت بالفعل الى عنان السماء و الأمل قد وصل بالفعل لأعلى مستوياته اننا بالفعل على الطريق الصحيح و ان هذا الشعب يستحق بالفعل ان يسير على درب الديمقراطية الحقيقية التي يعرفها و يمارسها العالم اجمع و ليس تلك التي ارادوا لنا ان نمارسها على طريقتهم..!
قد نتعثر.. وقد نشعر بالإحباط.. و قد نمر بمنعطفات و تحديات خطرة و نحن في الطريق.. الا ان ما عشته اليوم بنفسي يثبت ان
المصريين قد عرفوا طريقهم الصحيح و لن يحيدوا عنه ابدا.

7 comments:

  1. الأنيشتا:-

    حمد لله على السلامة .. لكن ماقلتش .. بعد الساعات الخمسة ... لمن أعطيت صوتك ...؟؟؟

    ReplyDelete
    Replies
    1. لحمدين صباحي............و غير نادم

      Delete
  2. أنا موافقك في كل حاجة.....لأني مررت بنفس التجربة هنا في الرياض... ويتبقى لي سؤال واحد.... ليه السفارة معملتش صندوق خاص داخل لسفارة يستطيع الناخب اللي أصر ان يذهب بنفسه للتصويت؛ يستطيع من خلاله وضع مظروف به كل ما هو مطلوب إرساله بالبريد؟ خصوصا كان في ناس جاهزة تبعت بالبريد بس خافت من اي تأخير في التوصيل.... عموما التجربة جيدا يمكن لو عملنا كده المرة اللي جارية تكون افضل .... ده لو في مرة جاية

    ReplyDelete
    Replies
    1. في ناس تسائلت نفس التساؤل دة لمسئولي السفارة و كان الرد انها تعليمات العليا للانتخابات

      Delete
  3. انبسطت جدا من الكلام اللي بتحكيه ده
    الحمد لله اخيرا حد بيشكر في السفارة المصرية وخصوصا في السعودية
    ومبروك علينا عرس الديمقراطية

    ReplyDelete
    Replies
    1. انا برضة كنت مذهول حقيقي
      مش متعود على كدة من السلك الدبلوماسي المصري بصراحة
      بشرى خير

      Delete
  4. Vielen Dank .. Und ich hoffe, Sie Mved Entwicklung und Schreiben von verschiedenen Themen :)

    ReplyDelete

نرحب بالرأي و الرأي الأخر

fb comments

wibiya widget

LinkWithin

Related Posts with Thumbnails